محمد سعيد رمضان البوطي
51
من روايع القرآن
في كتابه فضائل القرآن : ( أما المصاحف العثمانية الأئمة فأشهرها اليوم الذي في الشام بجامع دمشق عند الركن شرقي المقصورة المعمورة بذكر اللّه ) « 1 » . أما بعد ذلك ، فالحديث عن تحقيق هذه النسخ ونقلها بين المكتبات والمتاحف والبلدان ، أمر يطول ولسنا بصدد هذا البحث . فإذا تأملت في هذه الخلاصة التي سردناها من تاريخ هذا الكتاب العظيم ، منذ نزوله على قلب المصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم إلى وصوله إلينا اليوم من حيث الأدوار التي تدرج فيها كتابة وجمعا ، وتلقيا ودرسا - تصورت أنك من هذا الكتاب المبين أمام شمس واضحة مشرقة تسير أمام عينيك في قبة السماء الصافية ، ليس حولها مزقة سحاب تغشي عليها وليس بينك وبينها أي زوبعة أو ضباب يحجبها عنك . سلسلة متصلة من التدوين الكتابي الدقيق ، والتلقّي الشفهي السليم ، يسيران جنبا إلى جنب في مطابقة واتفاق ، منذ بزوغ فجر هذا التنزيل إلى هذه الساعة من يومنا هذا ، لا ترى فيها حلقة مفقودة أو ثغرة ينفذ منها الشك أو اختلافا يبعث على الريبة . فأي خبر أو كتاب سار خلال القرون في مثل هذا النفق المحكم العجيب من الحفظ والوقاية ؟ اللهمّ إن العقل لا يفهم من ذلك إلا أنه تصديق الدهر والقرون لقوله تعالى : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ وقوله تعالى : كتاب لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ .
--> ( 1 ) انظر المرجع السابق : 90 .